فبعد أن سار الأحنف بن قيس إلى خراسان افتتح مدينة هراة عنوةً ثم سار نحو مرو الشاهجان فلم دنا منها هرب يزدجرد منها نحو مرو الروذ وكتب يزدجرد الى ملك الترك خاقان وإلى ملك الصين ولملك الصُّغد يستمدهم. وخرج الأحنف إلى مرو الروذ واستخلف على كل منطقة خرج منها رجلاً من صحبه.
فلما دنا الأحنف هرب يزجرد إلى بلخ وقدم أهل الكوفة وقتها إلى بلخ فهرب يزدجرد وعبر النهر وقد فُتحت بلخ ، وقد عاد الأحنف وأقتصر ما دون النهر بأمر من سيدنا عمر وقد تتابع أهل خراسان فمنهم من هرب وعبر النهر ومنهم من بقي ودفع الجزية.
ولما عبر يزدجرد مهزوماً أنجده ملك الترك خاقان وملك الصُّعد وعبروا حتى نزلوا بلخ وعاد أهل الكوفة إلى الأحنف في مرو الروذ. وخرج الأحنف ليلاً فسمع رجلان يقولان أن يقيم المسلمون في سفح جبل وكانت التضاريس ردءاً لهم فعبأ الأحنف صباحاً ونزل سفح الجبل بالجيش.
وكان معه عشرة آلاف من أهل البصرة ومن الكوفة نحوهم ، فأقبلت الترك نحوهم وكانوا يغادونهم القتال ويراوحونهم وفي الليل يتنحون.
وفي الصباح التالي خرج الأحنف في طليعة لأصحابه ، فخرج فارساً من الترك ومعه طبل فأخذ يضرب به فحمل عليه الأحنف فقتله ثم خرج ثانياً وفعل مثل ما فعل صاحبه وثالثاً فقتلهم الأحنف جميعاً وأخذ الطوق التركي منهم.
ثم انصرف الأحنف إلى عسكره ، وكانت عادة الترك أن لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من أكفاءهم كلهم يضرب بطبله، فلما رأى ذلك خاقان تشائم وتطيّر وقال: قد طال مقامنا وقُتل فرساننا ومالنا في قتال هؤلاء القوم خير فرجعوا. وارتفع النهار للمسلمين ولم يخرج لهم أحد وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ.
وكان يزدجرد قد ترك خاقان مقابل المسلمين وخرج إلى مرو الشاهجان وحصر من بها واستخرج خزائنه من موضعها، وكانت كبيرة وعظيمة. فنازعه أهل فارس عليها وغلبوه عليها وصالحوا المسلمين وهرب يزدجرد مع خاقان وعبرا النهر.
وقد صادفوا رسول يزدجرد لملك الصين راجعاً من عنده برسالة تتضمن سؤاله للرسول عن أوصاف المسلمين وأفعالهم وطلباتهم ودوابهم وقال له في آخرها:
إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحِقُّ عليَّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولُك لو يطاولون الجبال لهدوها، ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهْجُهُم ما لم يهجوك.
ورفض ملك الصين أن يرسل إليه بمدد ينجده خوفًا من حرب المسلمين.
غزو_الترك (بلاد الأتراك) معركة بلنجر الأولى
أمر سيدنا عمرُ عبدَ الرحمن بن ربيعة بغزو الترك فخرج بالناس حتى قطع آخر منطقة كانوا قد وصلوها من محور خراسان وما بعدها وتسمى بوقتها (الباب) .
فقال له شهريار : ماذا تريد أن تصنع؟ قال : أريد أن أغزو بلنجر والترك ، فقال شهريار: إنا نرضى منهم أن يدعونا من دون الباب.
فقال عبد الرحمن بن ربيعة : لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم ، وبالله إن معنا أقواماً لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم(يقصد من محوره )
فقال: من هم ؟ قال : أقوم صحبوا رسول الله ﷺ ودخلوا بهذا الأمر بنيّة ولا يزال هذا الأمر لهم دائماً ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى يُلفتوا عن حالهم.
فتوجه ناحية بلنجر فغزاها ، فقالوا: ما اجترأ علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت، فهربوا منه وتحصنوا، فرجع بالغنيمة والظفر، وقد بلغت خيله مدينة البيضاء على بُعد مائتي فرسخ من بلنجر، وعادوا ولم يُقتل منهم أحد.
ثم غزاهم أيام سيدنا عثمان بن عفان(سيتم التوسع بذلك في حينه) غزوات فظفر كما كان يظفر، حتى تبدل أهل الكوفة لاستعمال سيدنا عثمان من كان ارتد استصلاحاً لهم فزادهم فساداً، فغزا عبد الرحمن بن ربيعة بعد ذلك فتذامرت الترك واجتمعوا في الغياض فرمى رجلٌ منهم رجلاً من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا واشتد قتالهم ونادى منادٍ من الجو: صبراً عبد الرحمن وموعدكم الجنة! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف أصحابه وأخذ الراية سلمان بن ربيعة أخوه فقاتل بها، ونادى منادٍ من الجو: صبراً آل سلمان! فقال سلمان: أو ترى جزعاً؟ وخرج سلمان بالناس معه أبو هريرة الدوسي على جيلان فقطعوها إلى جرجان، ولم يمنعهم ذلك من إنجاء جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به إلى الآن
